قطب الدين الراوندي

164

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والجلية : الخبر اليقين ، وكرر عليكم الحجة شرعا لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل . وروي « لتبتغوا هذه » أي لتطلبوا هذه المحاب التي أحب اللَّه أن يفعلوها . والحجة : الكلام المستقيم على الاطلاق . والحجاب : الحاجز . وقوله « الجنة حجبت بالمكاره والنار حفت بالشهوات » فرق بينهما لان المحجوب لا يكون محفوفا ، فكأن المكاره حجبتها لشدة ممارستها ، والشهوات أطفيت النار وجعلت على أحفتها ، أي على جوانبها . ثم فسر ذلك فقال : ما من طاعة اللَّه شيء إلا يأتي في كره وهو المشقة ، وبالفتح ما أكرهت عليه ، وما من معصية اللَّه شيء إلا يأتي في شهوة ، وهي ما إذا وجد في قلب أوجب كون صاحبه ملتذا بادراك ما يتعلق ذلك به . وفي كلتا القرينتين مجاز . ونزع عن شهوته : رجع وانتهى عنها . وقمع : أي قهر وأذل ، يقال : قمعت الفيل إذا ضربته بمقمعة حديد . وتنزع إلى معصية : أي تذهب إليها ، يقال : نزع إلى أبيه في الشبه أي ذهب ، والمنزع من النفس إلى الشيء : الاشتياق إليه والتسرع نحوه . ونفس المؤمن « ظنون عنده » أي لا يعتمد على كل ما يتمنى ، ويعلم أن نفسه كثيرة الظنون قليلة العلوم أكثر ما يخطر بباله ظن ، فالظان اسم الفاعل والظنون بناء المبالغة فيه كالشكور والشاكر . ويجوز أن يكون بمعنى المفعول ، أي مظنونة متهمة عنده . والظنون : الرجل السيء الخلق . و « لا يزال زاريا عليها » أي عائبا ، فإنه أما أن يكون مقصرا أو متعديا إلا من عصمه اللَّه .